السيد محمد حسين فضل الله
174
من وحي القرآن
القوة والضعف ، لأنها قضية حقّ وإيمان وصدق . . . قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ في عملية تأكيد للكفر ، من أجل خلق حالة نفسية ضاغطة ، تهز موقف المستضعفين أو تردّ جانب التحدّي منهم بمثله . ولم تنفعهم تلك الأساليب في حربهم النفسية ضد المؤمنين شيئا ، ولم يكن لهم منطق معقول يمكن أن يعتمدوه كأساس للمواجهة الفكرية في عملية ربح الموقف ، فلجئوا إلى القوة ، ولكنهم لم يستطيعوا مواجهة صالح والمؤمنين معه ، فعمدوا إلى الناقة الضعيفة التي لا تملك أن تدافع عن نفسها فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ في حالة من الطغيان ، ووقفوا أمام صالح وقفة من يتحدى الإنذار بالعذاب ؛ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ الذين يرتبطون باللَّه بعلاقة وثيقة ، تتيح لهم أن يستنزلوا العذاب على معانديهم . وكان ردّ التحدي حازما وسريعا ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ واهتزت بهم الأرض . وكان الزلزال الذي ارتجفوا به ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ، لا يستطيعون الوقوف والتحرك من مكانهم بفعل الموت . فما ذا كان رد فعل صالح ، وهو يرى فعل اللَّه بهم ؛ هل كان موقف شماتة وحقد ؟ إن الأنبياء لا يشمتون ، وأصحاب الرسالات لا يحقدون ، لأن قلوبهم مملوءة بالمحبة والرحمة ، وأرواحهم منطلقة بالخير والرأفة . . . فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أعرض عنهم وابتعد عن هذا المنظر الأليم ؛ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي بكل ما فيها من حقّ وعدل وخير وصلاح ، بكل تفاصيلها وَنَصَحْتُ لَكُمْ بالسير في خط الرسالة لتبلغوا مداها الأخير ، وهو الجنة في الدار الآخرة بالإضافة إلى سعادة الدنيا . . . وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ . . ولا تطيعونهم في ما يريدون أن يدلوكم على منابع الحب والخير والرحمة . . . وهكذا أسدل الستار على هذه القصة ، لتبدأ قصة رسالية جديدة .